الشيخ محمد السند

194

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

والملاحظ أنّ جملة الأبحاث الرجالية التي خاضت في تحليل هذه الظاهرة لم تستوف العامل السياسي ودوره ، مع أنّ حدثاً بمثل هذه الضخامة في عمق البيئة الاجتماعية والسياسية وتداعياتها فإنه يتفاعل بقوة مع الخطط السياسية وتنازع القدرة ، لا سيّما وأنّ مثل المغيرة وأبي الخطّاب وأمثالهما لم يكونوا أصحاب دعوة فكرية فقط بل كانوا يحملوا توجّهاً إلى مشروع سياسي كبير ، حتى أنّ المصادر التاريخيّة لم تستطع إخفاء ذلك كما سيأتي التعرّض إلى جملة من القصاصات الشاهدة على ذلك ، بل أنّ عبد اللَّه بن سبأ لم تستطع المصادر التاريخية إخفاء طابع تحرّكه السياسي المناهض للخط الحاكم السياسي وهذا يفتح الباب لقراءة خلفيّة الطعون التي رُمي بها هؤلاء من الغلوّ والمروق العقائدي . كما يسترعي الباحث للبحث في الفارق والمائز بين جملة من ثورات العلويين ضدّ بني أمية وبني العباس والتي أيضاً كانت ثورات سياسية مناهضة لسلطة الحكم السياسي ، إلّاأنّه رغم ذلك لم يطعن عليها بمثل هذه الطعون مما يكشف عن أنّ الشعار العقائدي الذي رفعه مثل هؤلاء كمنطلق للتحرك السياسي يختلف عن طابع ثورات العلويين ، فإنّ هؤلاء كانوا يركّزون على إمامة ووصاية الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام دون من سواهم ، وينطلقون في تبيان نظام الشرعية السياسية من منطلقات معرفيّة حول مقامات أهل البيت عليهم السلام ، ممّا يسدّ الباب على بقيّة وجوه بني هاشم من العلويين والفاطميين ومن الحسنيين والحسينيين فضلًا عن الأمويين والعباسيين ، وينطلقون في الحقّ الحصري للأئمة الاثني عشر عليهم السلام في القيادة السياسية للأمة والقيادة الدينية من أسس معرفيّة عقديّة وهي علوّ مقامات أهل البيت عليهم السلام من المواهب اللدنية الإلهيّة . وهذا بمثابة ترويج ثقافي وعقائدي يهيّىء الأرضية لتبرير وتفسير الدعوى السياسية والعسكرية لأهل البيت عليهم السلام . إلّا أنّ هؤلاء أخفقوا في دراسة الظروف وتقييمها كما أنّهم أخفقوا في اعتماد